الدائرة السياسية للعدل والإحسان والعلاقة بين الدعوي والسياسي
عالجت جماعة العدل والإحسان إشكالية العلاقة بين ما هو دعوي وما هو سياسي بإنشاء الدائرة السياسية، التي يمكن اعتبارها اقتباسا من تجربة حركة التوحيد والإصلاح في مسمى التخصص السياسي، الذي يمثله حزب العدالة والتنمية؛ فقد استطاعت الجماعة حسم هذه الإشكالية من خلال اعتبار الجانب السياسي جزءًا من مشروعها الاجتماعي والسياسي الذي تشترك فيه الجماعة مع باقي الأحزاب، دون أن تهمل أهمية الجانب الدعوي والتربوي في إطار إستراتيجيتها.
فالسياسي والدعوي والتربوي والاجتماعي مفاهيم لمسمى واحد، داخل البنية الحركية والتنظيمية للجماعة، فلا يمكن الفصل أو التمييز بين إحداهما عن الآخر، وهو ما يطرح السؤال حول الآليات التي وضعتها الجماعة لتفعيل البعد السياسي.
مبررات إحداث الدائرة السياسية لتدبيرالشأن العام
أحدثت جماعة العدل والإحسان الدائرة السياسة كجهاز في دورة استثنائية لمجلس الشورى بمدينة مراكش سنة 1998، ولم يتم الإعلان عن هذا المولود للرأي العام إلا بعد مرور سنتين، وقد تم تحديد دورها في الاهتمام بما هو عام وسياسي، عبر إعطاء الفرصة لمناضلي الجماعة ذوي المواهب والميولات السياسية حتى لا يتم استمالتهم أو استقطابهم من جهات منافسة، والعمل على استقطاب أعضاء من خارج الجماعة المهتمين بممارسة العمل السياسي.
وتهدف الجماعة من خلال إحداث الدائرة استمالة المتعاطفين مع الجماعة والذين لا يهتمون بالتأطير الدعوي والتربوي وما يقتضيه ذلك من انضباط لحضور حلقات الذكر ومجالس النصيحة والرباطات وغيرها.
ومن جهة أخرى، فإن الجماعة مع إحداثها للدائرة السياسية أولت اهتماما متزايدا للجانب السياسي الذي ظل مقلصا بحكم ظروف نشأة الجماعة، والتي راهنت على الفعل الدعوي والتربوي كوسيلة للتجنيد والتعبئة.
وبعد أن تمكنت من تكوين قاعدة جماهيرية عريضة عكست قوة تجذرها المجتمعي وفعالية آلياتها في التجنيد والاستقطاب والتأطير، كان من اللازم إبراز الواجهة السياسية التي تتطلب المزيد من الانفتاح وضرورة إحداث آليات وأجهزة مختلفة عن الأجهزة التربوية، وهنا تحدد المغزى من إحداث الدائرة السياسية كفضاء للتأطير والتكوين وميدان لإنتاج نخب حركية سياسية محترفة في حالة قبول الجماعة الدخول في المفاوضات مع السلطة استعدادا للمشاركة في الانتخابات.
فلكل مرحلة رجالها، فهناك رجال الدعوة وهناك رجال الدولة، الذي يقصد بهم سياسيو المستقبل، لذلك أدركت الجماعة أولوية توفرها على رجال مهيئين في حالة تقلب الظروف أو تلاقي المصالح مستقبلا.
وتبرر الجماعة عدم إعلانها لإنشاء الدائرة السياسية تفادي كافة أشكال الحصار والتضييق التي تمارسها الدولة ضدها، والحفاظ على سرية أجهزتها ومؤسساتها وحمايتها من الاختراقات الممكنة.
وإذا كانت هذه المبررات واردة مبدئيا، فإن الطابع السري الذي تشبعت به الجماعة طيلة فترة عملها ومحاولاتها إخفاء تحركاتها وأنشطتها وعدد أعضائها قد وسم سلوكها وجعلها تتكتم على العديد من المعطيات المفيدة للباحثين والرأي العام.
ومن بين الأسباب المبررة لتأخير الإعلان عن نشأة الدائرة السياسية هو محاولة الجماعة على الحفاظ على عنصر المفاجأة وأخذها الوقت الكافي لهيكلة الدائرة وتنظيمها بعيدا عن أية مراقبة أو ضغط من الدولة أو وسائل الإعلام.
موقع الدائرة السياسية من تنظيم الجماعة
قبل الإشارة إلى ذلك من الضروري رصد نوعية العلاقة بين كل من الدائرة السياسية والجماعة، بالتساؤل عن موقع الدائرة السياسية داخل البنية التنظيمية والسياسية للجماعة.
وللإجابة عن هذا السؤال يمكن الاستشهاد بقول عبد الواحد المتوكل الأمين العام للدائرة السياسية: لابد من الإشارة هنا إلى أن تأسيس الدائرة السياسية لم يكن تغييرا لمسار الجماعة أو إعادة النظر في ثوابتها، أو معانقة أمر جديد على توجه الجماعة الفكري والدعوي، أو نريد أن نقحم أنفسنا في أمور لا تعنينا.
إن الهم السياسي جزء لا يتجزأ من العمل الإسلامي، ومواقف الجماعة، وم
المزيد