ابتدائية الناظور تؤجل متابعة 70 عضوا من العدل والإحسان بينهم ذ. "عبادي" عضو مجلس الإرشاد                                                     بني ملال: تأجيل محاكمة 32 امرأة من العدل والإحسان                                                     أبو مرزوق يؤكد الاتفاق على التمديد لعباس وتشكيل حكومة وحدة                                                     المغرب.. غرق العشرات بعد انقلاب زورقهم قرب القنيطرة                                                     الأزمة الاقتصادية العالمية وانعكاساتها على أسواق المال المغربية                                                     البورصات العالمية تواصل تراجعها وتحصد المزيد من الخسائر                                                     صندوق النقد الدولي: الاقتصاد العالمي على شفير الكساد                                                     بين الهند وأمريكا.. صفحة جديدة من التعاون النووي                                                     الدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان بالجنوب تعقد مجلسها الإقليمي الثالث عشر                                                     منتديات العدل والإحسان.. شاهد أغراض الرسول صلى الله عليه وسلم                                                   


حوار مع الأكاديمي المغربي أحمد بوعود في فقه الواقع والجماعات الإسلامية..

كتبهاالخلاص الجماعي ، في 4 يناير 2008 الساعة: 19:18 م

سدّ باب الاجتهاد أدّى إلى الجهل بفقه المقاصد والواقع

لا لتكفـــــير أصحـاب القــراءات الحــداثيـــة للقـــرآن

الأكاديمي المغربي أحمد بوعود مهتم بالبحث في قضايا الاجتهاد والتجديد في الإسلام، وهو يقف عند جملة من التحوّلات التاريخية التي لابد من الوقوف عندها من أجل ”قراءة تاريخ الفكر الإسلامي عموما، وبحث سد باب الاجتهاد في جميع مجالات الفكر، وما نتج عن ذلك كله من استفحال القطيعة بين مؤسسة العلماء ومؤسسة الحكم، وبتعبير آخر القطيعة بين الفقه الفردي والفقه الاجتماعي، وحدوث الفجوة بين الشريعة والواقع التي أخذت في الاتساع مع تقدم الزمان”. وقد نشر بوعود عدداً من الكتب التي ناقشت هذه المسألة وارتباطاتها بالواقع، ومن ذلك كتابه ”الاجتهاد بين حقائق التاريخ ومتطلبات الواقع” الذي اقترح فيه ”تجديد الفكر الإسلامي وفق تلك التحولات وفي إطار هذين المقصدين وذلك في مجالات علم الإحسان، مع علم العقيدة، وعلم الكتاب والسنة، وعلم المقاصد، وفقه الواقع”. ومن بين اهتمامات بوعود البحث في فقه الواقع وعلم المقاصد، حيث يجترح عدداً من المراتب التي تأسّست عليها، كما يقول ”اجتهاداتُ الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم” مضيفاً إلى أن”الاجتهادات غير الموفقة التي نسمع بها، والدعوة القاصرة” ما هي ”إلا نتيجة لعدم فقه المقاصد ولجهل الواقع”.

يقرّ الدكتور أحمد بوعود أن هناك فراغاً كبيراً في البحوث التجديدية الخاصة بقراءة القرآن الكريم وتفسيره داخل الإسلاميين، ويرى أن هذا الفراغ أدّى إلى نمو القراءات المعاصرة للقرآن الكريم والتي عمدت إلى استثمار العلوم الجديدة في قراءة النص وتحليل الخطاب، وفي حين نشأت ردود فعل قاسية تجاه هذا النمط من القراءات؛ فإنّ بوعود يتبنى موقفاً علمياً ولا يؤيد التوجّه إلى تضليل وتكفير أصحاب هذه القراءات، ويعمل بدلا من ذلك على تناولها بالنقد والتحليل والوقوف على سلبياتها عبر طرائق البحث العلمي، وهو ماض في هذا الاتجاه وأنجز كتاباً بهذا الشأن سيصدر قريباً، ويعرض بعض أفكاره في هذا الحوار الذي يدلف إلى موضوع آخر يتناول فيه وضعية الجماعات الإسلامية في المغرب، ففي الوقت الذي استرعت هذه الجماعات انتباه وإعجاب الإسلاميين في الشرق، فإن أموراً كثيرة مازالت غائبة عن هؤلاء بخصوص تحولات هذه الجماعات وأوضاعها الداخلية، ويُفضّل بوعود التطرّق إلى جماعة العدل والإحسان وحركة الإصلاح والتوحيد مشيراً إلى ما يميّز بينهما وما يقف حائلاً دون تلاقيهما.

* ثمة حديث متواصل حول الإصلاح في الإسلام، أو الإصلاح الدّيني، ومن اللافت أن هذه الموضوعة باتت واحدة من موضوعات البحوث والدّراسات الاستراتيجيّة في العالم الإسلامي وخارجه، ولكن الملاحظ أن هذه الموضوعة مازالت بطيئة في الإنتاج التراكمي، خصوصاً في دائرة الإسلاميين، حيث يُلحظ قلة المدارس التجديدية والمنهجيات القادرة على بلورة دعوات التجديد، ويمكن ملاحظة أنّ المدارس الإصلاحية السّائدة هي نتاج عقدين سابقين وأكثر. ما رأيكم في هذه النظرة؟ وما هي في نظركم الوسائل الكفيلة بتحويل الإصلاح الدّيني من مرحلة الدعوى إلى مرحلة الفعل والإنجاز؟
- أشكر صحيفة ”الوقت” على دعوتها الكريمة متمنيا لها مزيدا من النجاح والتوفيق، كما أشكر نادر المتروك على ما بذله من جهد للاتصال بي وإجراء هذا الحوار. بداية أشير إلى أني أفضل مصطلح ”التجديد الديني” عوض ”الإصلاح الديني” لما لهذا الأخير من حمولة فلسفية غربية ارتبطت بالصراع بين الكنيسة والعلم هناك، في حين أن المصطلح الأول -التجديد الديني- مصطلح نبوي كما في قوله صلى الله عليه وسلم ”إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها دينها”. في الحقيقة إن الأمة اليوم تفتقر إلى جهود تجديدية للدين. ومن الصعب اليوم أن نتكلم عن التجديد في شخص فرد، بل يحتاج ذلك إلى جماعة وإلى مؤسسة. من هنا يأتي تفسير ”من” الواردة في الحديث؛ إذ من الإجحاف قصرها على الفرد دون الجماعة. ومن يتتبع الساحة الفكرية في العالم الإسلامي لا يكاد يجد سوى جهود متناثرة هنا وهناك لا يستقيم معها تجديد.
فقه الفرد وفقه الأمة
* وإيلام تعوزون فقر جهود التجديد الديني في العالم الإسلامي؟
- فقر الجهود التجديدية راجع في نظري إلى أمرين: الأول: إغفال المسار التاريخي للأمة الإسلامية، فبعدما عاش المسلمون أعواما في ظل النبوة والخلافة الراشدة، حيث القرآن حاكم، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم متبعة، والدولة خادمة للدعوة وحامية لها؛ حدثت في تاريخ المسلمين صدمة كان لها أسوأ الأثر على حياة المسلمين، دنياهم وأخراهم، إذ انتقضت عروة الحكم وتحولت الخلافة إلى ملك عاض ثم جبري تكتوي بلظاه اليوم الحركة الإسلامية والعلماء العاملون وهم ورثة النبي صلى الله عليه وسلم. ولقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بهذه التحولات في عدد من الأحاديث، حيث وضح ملامحها ووضح خصائصها، ويؤكد هذه التحولات ويبين خطرها حديث النبي صلى الله عليه وسلم ”لينقضن عرى الإسلام عروة عروة، وكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، وأولهن نقضا الحكم وآخرهن الصلاة”. إنها تحولات خطيرة في تاريخ المسلمين أثرت على حياتهم الفكرية والسياسية والاجتماعية والدينية، لا ينبغي إغفالها في نهضة المسلمين المعاصرة وفي أي بناء حضاري مرتقب حتى لا تكرر الأخطاء و”يعيد التاريخ نفسه”، وحتى يصح البناء. والأمر الثاني هو: عدم الجمع بين فقه الفرد وفقه الأمة، فالملاحظ في دعوة الأنبياء عليهم السلام أنها دائما ذات شقين، تقصد إلى توحيد الخالق عز وجل، وهو شأن فردي. وإصلاح ما فسد من أحوال الناس في سائر مناحي الحياة. وهذا شأن الأمة والجماعة.
* هل يمكن التأصيل القرآني لهذه النقطة بالذات؟
- يحدثنا القرآن الكريم أن شعيبا عليه السلام أرسل إلى قومه لإصلاح فساد سائد هو الفساد الاقتصادي، إضافة إلى الدعوة إلى توحيد الله سبحانه، ولوط عليه السلام، أرسل إلى قومه لعلاج التوحيد وقضية الفساد الأخلاقي الاجتماعي، والشيء نفسه مع موسى عليه السلام الذي بعث لإصلاح فساد سياسي ممثل في فرعون وملئه وآخر اقتصادي ممثلاً في قارون، إضافة إلى توحيد الله عز وجل. وكان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الرسل، أرسله الله تعالى بالقرآن الكريم بعد سلسلة من الرسالات أبلغت الإنسانية مرحلة الرشد تدريجيا ليكتمل لدى الإنسان منهاج الاستخلاف: ((اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا)) (المائدة :4)، فإن اتبع الإنسان هذا المنهاج وامتثل له تحقق له مقصدان: المقصد الأول: نال السعادة الأخروية والقرب من الله عز وجل، وهو هم فردي، وهي لب ما رغب فيه الشرع الحنيف، وهي الجزاء الأخروي الأوفى الذي حدثنا عنه القرآن الكريم في غير ما موضع، وكذا الحديث الشريف. والمقصد الثاني: كانت أعماله متفقة مع ضرورات الحياة الاجتماعية، وهذا مما يحقق الاستخلاف، وهو هم جماعي، ويساعد على تحقيق العبودية لله عز وجل. والأعمال المتفقة مع ضرورات الحياة الاجتماعية هي الأعمال التي تلتزم حدود الشرع، أوامره ونواهيه، وإن شئت فقل هي الأعمال الموافقة لمقاصد الشرع، وهي التي جعلها أهل المقاصد مندرجة في الضروريات من مقومات الحياة. على ضوء هذين المقصدين ينبغي أن يكون النظر في قضايا التجديد.
فقه الواقع.. السياق والضوابط
* يسود في الدّراسات الفقهيّة الحديثة مصطلح ”فقه الواقع”، وهو مصطلح رائج في مدرسة ”فلسفة الفقه” الإيرانيّة، ومدرسة ”التفسير الموضوعي” التي طرقها محمد باقر الصّدر، كما أنه شاع مع الاتجاهات التحديثيّة في الفقه الإسلامي، كما هو مع الشيخ يوسف القرضاوي والجماعات الإسلامية المغاربيّة. كيف تبلور هذا المصطلح في البداية؟
- كان اعتبار الواقع حاضرا في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، والمتتبع لكلامه صلى الله عليه وسلم يجد أجوبة متعددة للسؤال الواحد بتعدد السائلين واختلاف أحوالهم. مثلاً: فعندما سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أفضل؟ نجد أجوبة متعددة وكذلك عندما سئل: أي الناس أفضل؟ وحين يقال له: أوصني. أو طلب منه عمل يُنتفع به، وغير ذلك حتى يخيل إلينا أن في أجوبته وتوجيهاته المختلفة تناقضاً، ولا يصح أن يكون التناقض في رسالة ربانية إلهية هي خاتمة الرسالات، لكن إذا وضعنا في اعتبارنا اختلاف أحوال السائلين زال ما قد يتوهم من تناقض.. لقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم أفقه الدعاة بواقع الناس وأحوالهم. ومن يستعرض السيرة النبوية الشريفة يجد النبي صلى الله عليه وسلم يخاطب الناس حسب أفهامهم، ويعاملهم ويخاطبهم حسب قدراتهم، كما كان يراعي أحوالهم في المنشط والمكره، ويعتبر حاجاتهم ويرأف بهم وييسر عليهم، ويرفع عنهم الحرج. وكذلك كان الصحابة رضوان الله عليهم، يعلمون أسباب التنزيل، ومقاصد الشريعة العامة، وعادات العرب في أقوالها وأفعالها وأحوالها، ودخائل العدو الذي كانوا يجاهدونه، ومراتب التكليف من واجب الفعل أو الترك فما دونه، وعن كل هذا كانت تصدر اجتهاداتهم، ومنها اجتهادات عمر بن الخطاب الكثيرة التي راعى الواقعَ في تنزيلها. وعلى هذا المنوال سار العلماء قبيل سد باب الاجتهاد حتى قال أحدهم ”لا يحل لفقيه أن يقول بدرهم في شيء ولا خبرة له بالسوق”. لكن بعد سد باب الاجتهاد كما سبقت الإشارة ضعف هذا الوعي بالواقع.
* انطلاقاً من بحوثكم في هذا المجال، ما هي السياقات التاريخيّة لنشأة هذا المصطلح؟
- نجد مصطلح الواقع وفقهه حاضرا عند ابن القيم رحمه الله الذي يقول في ”إعلام الموقعين” ”لا بد من فهم الواقع والفقه فيه واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علما..” كما عقد فصلا بعنوان ”الفتوى تتغير بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد، والحكمة في ذلك أن الشريعة بنيت على مصالح العباد في المعاش والمعاد”. وبعد ظهور الصحوة الإسلامية الأولى والنهضة العربية برز في ساحة الفكر الإسلامي توجهان: الأول: ينادي بالتشبث بالتراث الإسلامي بتفسيراته وتحليلاته ومشخصاته كما هي، ويدعو إلى الكتاب والسنة، دون أن يضع منهجا للفهم والتعامل معهما ومع التراث الإسلامي، ويرى أن الخلل ليس في ميراث المسلمين وإنما في التابعين. وهذا الطرف أدى به اختياره إلى الحرفية والسكون، وإلى منهج التكفير والتبديع والتحريم، وتضييق حدود الشرع. والثاني: ينادي بتجديد التراث الإسلامي (وضمنه الوحي) باعتباره جامدا لا يحقق نهضة وتقدما في مستوى تقدم الغرب ولا يلائم الواقع المعاصر. فهذا الطرف، وهو المنبهر بالغرب أدى به اختياره إلى العلمانية واللائكية، وهي طامة لم تعرفها القرون السابقة. هنا بدأ مصطلح فقه الواقع في الظهور والتبلور، فكتب فيه وتهمم به كثيرون مثل الأستاذ عبد السلام ياسين، والشيخ يوسف القرضاوي، والدكتور عبد المجيد النجار، والشيخ عمر عبيد حسنه، وغيرهم.
ضوابط فقه الواقع
* وما هي الضوابط التي تحكم هذا المصطلح وآليات عمله؟
- إن التطرف في فقه الواقع، كما في التوجهين السابقين، يستدعي أولا: بيان أن فقه الواقع ليس من الأمور المبتدعة في الدين، بل هي مما يساعد على تجديده. ولنا خير مثال في القرآن الكريم الذي راعى واقع الناس في كثير من التشريعات (الخمر، الربا، الجهاد…)، وكذلك في سنة المصطفى صلى الله عليه سلم وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، وفي اجتهادات العلماء. وثانيا: وضع ضوابط لهذا الفقه حتى لا تتعرض الشريعة للضياع وتصبح مرتعا للأهواء بدعوى فقه الواقع. هذه الضوابط أجملتها في كتابي ”فقه الواقع.. أصول وضوابط”، وترتكز على ضابط المقصد: حيث بينت أن ترتيب مقاصد الشريعة يعني أولوية إحداها على الأخرى. ومن ذلك كان الضروري مقدمًا على الحاجي، والحاجي مقدمًا على التحسيني، وبفهم الواقع تتبين لنا هذه المقاصد عند كل قضية، ومن ثم تقديمها على الأخرى وكيفية العمل عند التعارض؛ فإذا كانت مراعاة الحاجي تفضي إلى الإخلال بالضروري، فإنه لا يقدم عليه باعتبار أن الضروري أعلى مرتبة منه، لذلك وجبت بعض الواجبات على المكلفين رغم ما فيها من مشقة، فتحتمل حفظًا للضروريات الخمس. وكذلك لا يراعى التحسيني إذا كان في مراعاته إخلال بالضروري أوالحاجي، لذلك أبيح كشف العورة عند العلاج، وتناول المحرم والمسكر عند الاضطرار. وهناك ضوابط من مصادر التشريع الإسلامي، وبيّنتُ أن المصلحة لا يمكن تقديرها إلا بالنظر العميق في الواقع، إلا أن هذه المصلحة - والمفسدة أيضاً- لا يمكن اعتبارها إلا بشروط تطابقها مع ما رمى إليه الشرع من أهداف، وقد حُددت هذه الشروط في مصادر التشريع الإسلامي على اختلاف بين العلماء في اعتبارها والأخذ بها، وهي حاضرة يرتبط بها الواقع ارتباطاً وثيقاً، وتمثل الباب الواسع لاجتهاد معاصر ودعوة راشدة تناسب الزمان والمكان، وبها تنضبط العلاقة بين الاجتهاد وفقه الواقع.

* يمثل النصّ القرآني محوريّة الإيمان الدّيني في الإسلام، وهو المرجعيّة الأساسية التي تستمدّ منها القيم والأحكام والتشريعات، ولكنه خضع لجملة من العمليات التأويلية التي جعلته يتحرّك في إطار تداولي مفعم بالتشابهات، وتأتي القراءات المعاصرة في مقدمة الفعّاليات التأويلية إثارةً للإشكال. ما تعليقكم النقدي العام على القراءات المعاصرة؟ وما هي أصول المقاربة القرآنيّة ”المعاصرة” في رأيكم؟
- إن كثيرا من علومنا في حاجة إلى مراجعة وتجديد، وفي مقدمتها علوم القرآن التي يخشى كثير من الناس الاقتراب منها خوفا من الزلل والانزلاق إلى الكفر والضلال. وكثير ممن تصدّوا إلى قراءة القرآن الكريم قراءة معاصرة أو قراءة حداثية باستخدام العلوم الإنسانية والألسنية إنما فعلوا ذلك بسبب الفراغ المهول الحاصل في هذا المجال. لكن عوض الاكتفاء برمي أصحابها بالضلال والكفر، فإن الحاجة ماسة إلى النظر فيها لتمييز صوابها من خطئها، وبيان الرأي الذي يتفق مع الشرع والعقل والواقع واللغة. والمتأمل في أطروحات الحداثيين بشأن النص القرآني يجدها ذات مرتكزات ثلاثة: مرتكز من كتب علوم القرآن (البرهان، الإتقان… )، وتجدر الإشارة إلى أن الكثير من المباحث في علوم القرآن تحتاج إلى مراجعة وتمحيص لاحتوائها على نصوص وروايات تخالف كمال النص القرآني وقدسيته. ومرتكز من الفكر الاستشراقي (ومن رموزه ”نولدكه”، صاحب الكتاب الضخم تاريخ القرآن، وبلاشير، صاحب ترجمة القرآن المشهورة وكتاب القرآن تاريخ تنزيله..). وهذا الفكر يعتمد المنهج الإسقاطي؛ حيث يسقط الصراع الذي دار عن الكتاب المقدس عندهم على النص القرآني. بل إنهم لا يؤمنون أن القرآن الكريم من عند الله، وإنما يعتبرونه من تأليف محمد صلى الله عليه وسلم وما شابه ذلك. وهناك مرتكز من الفكر الحداثي (فلسفة الأنوار، البنيوية، التفكيكية…)، وهذا الفكر ولد من رحم العداوة للكنيسة والدين، فيرفض الخضوع لأي سلطة فوقية سوى سلطة العقل، بل يدعو إلى القطيعة مع كل ما هو غيبي ميتافيزيقي.
القرآن بين أركون والجابري وأبو زيد
* وماذا تقولون في الإنجاز القرآني أولاً للمفكرر محمد أركون؟
- بالنسبة لمحمد أركون، فإنه يرى أن هناك ثلاث منهجيات في بحث الظاهرة القرآنية، وهي: المنهجية التيولوجية، والمنهجية التاريخية الأنتربولوجية، والمنهجية الألسنية السيميائية النقدية التفكيكية التي يتبناها. والمنطلق الرئيس للسيميائيات كان هو الحكايات الشعبية، وهي كما يقول روادها مطاردة للمعنى لا ترحم، بقدر ما يتمنع ويتدلل ويزداد غنجه، بقدر ما يكبر حجم التأويل ويزداد كثافة وتماسكا ويؤدي إلى ”انزلاقات دلالية لا حصر لها ولا عد” حسب تعبير أمبيرتو إيكو. ويهدف الدرس السيميائي إلى تخليص حقول المعرفة الإنسانية من القيود الميتافيزيقية التي تكبلها. أما التفكيك فهو من المصطلحات المتداولة في الدراسات النقدية المعاصرة، ويرتبط بهـايدغر(Heidegger) (1976)، قبل أن ينتشر في الفكر الفرنسي المعاصر على يد اليــهودي جـــاك دريـدا (Jacques Dérida)(2004) ابتداء من سنة .1967 ويقصد به القطيعة مع الميتافيزيقا والخروج من سلطتها، بل كل فكر غيبي ميتافيزيقي ماورائي ينبغي تقويضه لإعادة البناء. وأشير إلى أن هناك دراسة بعنوان ”الظاهرة القرآنية عند محمد أركون” ستصدر لي قريبا بالمغرب إن شاء الله.
* كذلك ينصبّ اهتمام المفكر محمد عابد الجابري على مشروعه في نقد العقل العربي، على دراسة القرآن.. وفي الموضوع نفسه عُرف نصر حامد أبو زيد بهذا الاختصاص. فما هي نظرتكم لعملهما في هذا المجال؟
- محمد عابد الجابري يمكن وصف منهجه بالفيلولوجي، لأن حسب آخر ما صدر له ”التعريف بالقرآن الكريم” اكتفى بإيراد الروايات والنصوص وقابل بعضها ببعض في حدود من الأدب مع كتاب الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم. وعليه، أرى أن الكتاب يمكن أن يكون مفيدا لمن يريد التدقيق في نصوص علوم القرآن حيث يقدم مادة ضخمة للمهتمين، وإن كنت لا أتفق مع الجابري فيما توصل إليه من نتائج. وبخصوص نصر حامد أبو زيد، فإنه يعمل على واجهتين: الأولى: دراسة علوم القرآن، من أجل تأكيد تأثر النص القرآني بواقع نزوله، وذلك من خلال دراسة مباحث المكي والمدني وأسباب النزول والناسخ والمنسوخ، وغير ذلك. والثانية: تأويل آيات من النص القرآني من خلال تطبيق درسي السيميوطيقا والهيرمينوطيقا. وتعتبر هيرمينوطيقا هانس جورج غادمير (2002) مستندة في التأويل. هذه الهيرمينوطيقا التي تنتمي إلى المنهج الفينومينولوجي تذهب إلى أن التوتر القائم بين الحاضر والماضي عمل محوري في الفهم والتأويل. وملخص هذه الهيرمينوطيقا، التي تسمى أيضا بهيرمينوطيقا الوقائع، أن التأويل أو الفهم هو التحام أفق القارئ مع أفق النص، وكل فهم هو فهم تاريخي يتغير بتغير أفق القارئ وخبرته وواقعه. إن عمل نصر حامد أبو زيد غايته إثبات تأثر القرآن بواقع نزوله ومن ثم تأكيد تاريخيته.
* وما هو المنهج الذي ترونه في إطار التعاطي مع مجمل القراءات المعاصرة أو الحداثية للقرآن؟
- في الخلاصة يمكن القول في ذلك، إن هناك حاجة ماسة إلى عدم سلوك منهج التكفير تجاه أصحاب هذه القراءات، فالنوايا يعلمها الله، وإنما يجب مواجهة الفكرة بالفكرة. ولابد من مراجعة نقدية لتراث علوم القرآن وتنقيته مما لا يتفق وقدسية النص القرآني. وسبر أغوار النظريات المعاصرة في الفهم والتفسير، وبحث اللسانيات والعلوم الاجتماعية الحديثة، ومراجعة القواعد التفسيرية في تراث علم التفسير. وكل هذا من أجل الوصول إلى فهم معاصر للنص القرآني ينضبط بضوابط الشرع واللغة والعقل والواقع.
تنوّع الإسلاميين.. المغرب مثال
* تتنوّع الحركات والجماعات الإسلاميّة في العالم العربي والإسلامي، وهي ظاهرة يمكنها نظرياً أن تؤكد فكرة الحركة الاجتهاديّة في الإسلام وإمكانات التعدّد الفكري داخل الإسلام، ولكن يشهد الواقع تحوّل هذا التنوّع إلى أشكال مختلفة من المواجهة والصراع الفئوي. وثمة في المغرب جماعات إسلاميّة متنوّعة بتنوّع رؤاها وبرامجها، وقد عدّ كثيرون النموذج المغربي الإسلامي في مقدّمة النماذج الباعثة على الافتخار، غير أنّ السّاحة هناك لم تكن هادئة، وكان كتاب الشيخ فريد الأنصاري حول أخطاء الحركة الإسلامية شاهدا جليا على ذلك. من منظوركم البحثي ما هي المآلات المستقبلية للحركة الإسلامية في المغرب؟ ما هي أوجه التلاقي والتفارق بين الجماعات الإسلامية في المغرب: (مثلا) جماعة الشبيبة الإسلاميّة، جماعة العدل والإحسان، حركة الإصلاح والتجديد، البديل الحضاري..؟
- بالفعل، يعرف المغرب تنوعا في العمل الإسلامي بتنوع الرؤى والبرامج، وكذا العلاقة مع النظام الحاكم. وسأتكلم هنا عن جماعة العدل والإحسان وحركة الإصلاح والتوحيد باعتبارهما الحركتين الكبيرتين بالمغرب. جماعة العدل والإحسان، مرشدها الأستاذ عبدالسلام ياسين صاحب المؤلفات الكثيرة ذات البعد التنظيري في مجالات التربية والفكر والدعوة… أُسّست في أوائل الثمانينات، حيث كانت تعرف بأسرة الجماعة. وكان الأستاذ عبدالسلام ياسين قبل ذلك قد وجّه رسالة نصح إلى الملك الراحل في بداية السبعينات بعنوان ”الإسلام أو الطوفان” وخلاصتها الدعوة إلى توبة عمرية (نسبة إلى عمر بن عبدالعزيز)، فكان مآله السَجن بمستشفى المجانين! قبل تأسيس الجماعة طاف الأستاذ ياسين على الفاعلين الإسلاميين بالمغرب (من جمعيات، علماء وغير ذلك…) بغية توحيد الجهود والعمل داخل حركة واحدة، لكنه لقي صدّا وإعراضا، فبادر إلى تأسيس الجماعة التي كانت تعرف آنذاك بأسرة الجماعة.
إمكانات التلاقي بين الإسلاميين
* ما الذي يميّز هذه الجماعة بحسب وجهة نظركم؟
- ما يميز جماعة العدل والإحسان عن غيرها من الحركات الإسلامية داخل المغرب وخارجه هو توفرها على منهاج تسير عليه منذ تأسيسها. وقد سماه مؤلفه الأستاذ عبدالسلام ياسين ”المنهاج النبوي.. تربية وتنظيما وزحفا”؛ وكما يتضح من العنوان فالمنهاج هو طريق الجماعة في التربية والتنظيم والزحف من أجل تحقيق غايتي العدل والإحسان. هذا المنهاج، إضافة إلى شخصية مرشد الجماعة الذي جمع بين التربية النبوية والعلم والجهاد، ضَمِن للجماعة وحدة تصور ووحدة في السلوك. أقول هذا رغم ما تعانيه الجماعة من تضييق وخنق من قبل النظام الحاكم.
* وماذا عن حركة الإصلاح والتوحيد التي تأخذ حضوراً أكبر في الساحة والإعلام؟
- أما حركة الإصلاح والتوحيد فهي مزيج من جمعيات لا يوجد بينها رابط فكري أو تصوّر يجمعها، وهذا ما يفسر الانسحابات والانشقاقات الكثيرة التي وقعت للحركة، كما هي حالة الدكتور فريد الأنصاري، الذي يعتبر كتابه ”الأخطاء السنة للحركة الإسلامية” صرخة أفصحت عن جرح عميق. ولعل ذهاب كثيرين من رجال الحركة إلى العمل الحزبي ضمن حزب العدالة والتنمية أضعف الحركة إلى حدّ بعيد، سواء على المستوى البرنامجي أو على مستوى الأطر الفاعلة. ذلك أن هذه المشاركة في اللعبة السياسية، كانت على حساب النضج الفكري والتنظيري، بل زادت من تراجع وضمور هذا النضج، ويرجع هذا إلى استفراغ الجهد في السياسي، وغياب أطر فكرية قادرة على بلورة تجديد فكري.
* وماذا عن ممكنات التلاقي والتقارب بين الجماعات الإسلامية المغاربية؟
- إن التلاقي بين مكونات الحركة الإسلامية في المغرب يمكن أن نقيسه بمدى الاقتراب أو البعد من النظام، فضلا عن التصور الخاص بكل مكون من هذه المكونات. ففي ظل النظام الملكي الحاكم لا أرى تقاربا بين هذه المكونات؛ إذ كيف يمكن أن تجتمع حركتان -أو أكثر- إحداهما مستمالة من قبل الدولة، وتدافع عنها، والأخرى منبوذة مضيّق عليها يضطهد ويتابع أعضاؤها؟ لكن مع هذا وذاك، فحبل المودة والإخاء والدعاء بظهر الغيب موصول بين جميع الأطراف. ويمكن القول، حسب تعبير الباحث المغربي الدكتور محمد ضريف، إن النظام المغربي وصل إلى الباب المسدود في تعامله مع جماعة العدل والإحسان، أكبر الحركات الإسلامية والمعارضة الأولى بالمغرب، وقد جرّب معها جميع الوسائل ولم تنفع، ولم يبق أمامه إلا أن يفسح لها مجالا للتحرك حتى يظهر ما عندها مما يمكن أن تسهم به في المشهد السياسي المغرب… وعندها يمكن أن نتحدث عن تقارب وتعاون بين مكونات الحركة الإسلامية المغربية
.

الوقت - نادر المتروك

العدد 676 - الجمعة 18 ذو الحجة 1428 هـ - 28 ديسمبر

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : حوارات | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر

« .
»