الإسلاميون والسلطة في المغرب..جماعة جماعة "العدل والإحسان" نموذجاً (5-5)
كتبهاالخلاص الجماعي ، في 26 نوفمبر 2008 الساعة: 00:00 ص
الدائرة السياسية للعدل والإحسان والعلاقة بين الدعوي والسياسي
عالجت جماعة العدل والإحسان إشكالية العلاقة بين ما هو دعوي وما هو سياسي بإنشاء الدائرة السياسية، التي يمكن اعتبارها اقتباسا من تجربة حركة التوحيد والإصلاح في مسمى التخصص السياسي، الذي يمثله حزب العدالة والتنمية؛ فقد استطاعت الجماعة حسم هذه الإشكالية من خلال اعتبار الجانب السياسي جزءًا من مشروعها الاجتماعي والسياسي الذي تشترك فيه الجماعة مع باقي الأحزاب، دون أن تهمل أهمية الجانب الدعوي والتربوي في إطار إستراتيجيتها.
فالسياسي والدعوي والتربوي والاجتماعي مفاهيم لمسمى واحد، داخل البنية الحركية والتنظيمية للجماعة، فلا يمكن الفصل أو التمييز بين إحداهما عن الآخر، وهو ما يطرح السؤال حول الآليات التي وضعتها الجماعة لتفعيل البعد السياسي.
مبررات إحداث الدائرة السياسية لتدبيرالشأن العام
أحدثت جماعة العدل والإحسان الدائرة السياسة كجهاز في دورة استثنائية لمجلس الشورى بمدينة مراكش سنة 1998، ولم يتم الإعلان عن هذا المولود للرأي العام إلا بعد مرور سنتين، وقد تم تحديد دورها في الاهتمام بما هو عام وسياسي، عبر إعطاء الفرصة لمناضلي الجماعة ذوي المواهب والميولات السياسية حتى لا يتم استمالتهم أو استقطابهم من جهات منافسة، والعمل على استقطاب أعضاء من خارج الجماعة المهتمين بممارسة العمل السياسي.
وتهدف الجماعة من خلال إحداث الدائرة استمالة المتعاطفين مع الجماعة والذين لا يهتمون بالتأطير الدعوي والتربوي وما يقتضيه ذلك من انضباط لحضور حلقات الذكر ومجالس النصيحة والرباطات وغيرها.
ومن جهة أخرى، فإن الجماعة مع إحداثها للدائرة السياسية أولت اهتماما متزايدا للجانب السياسي الذي ظل مقلصا بحكم ظروف نشأة الجماعة، والتي راهنت على الفعل الدعوي والتربوي كوسيلة للتجنيد والتعبئة.
وبعد أن تمكنت من تكوين قاعدة جماهيرية عريضة عكست قوة تجذرها المجتمعي وفعالية آلياتها في التجنيد والاستقطاب والتأطير، كان من اللازم إبراز الواجهة السياسية التي تتطلب المزيد من الانفتاح وضرورة إحداث آليات وأجهزة مختلفة عن الأجهزة التربوية، وهنا تحدد المغزى من إحداث الدائرة السياسية كفضاء للتأطير والتكوين وميدان لإنتاج نخب حركية سياسية محترفة في حالة قبول الجماعة الدخول في المفاوضات مع السلطة استعدادا للمشاركة في الانتخابات.
فلكل مرحلة رجالها، فهناك رجال الدعوة وهناك رجال الدولة، الذي يقصد بهم سياسيو المستقبل، لذلك أدركت الجماعة أولوية توفرها على رجال مهيئين في حالة تقلب الظروف أو تلاقي المصالح مستقبلا.
وتبرر الجماعة عدم إعلانها لإنشاء الدائرة السياسية تفادي كافة أشكال الحصار والتضييق التي تمارسها الدولة ضدها، والحفاظ على سرية أجهزتها ومؤسساتها وحمايتها من الاختراقات الممكنة.
وإذا كانت هذه المبررات واردة مبدئيا، فإن الطابع السري الذي تشبعت به الجماعة طيلة فترة عملها ومحاولاتها إخفاء تحركاتها وأنشطتها وعدد أعضائها قد وسم سلوكها وجعلها تتكتم على العديد من المعطيات المفيدة للباحثين والرأي العام.
ومن بين الأسباب المبررة لتأخير الإعلان عن نشأة الدائرة السياسية هو محاولة الجماعة على الحفاظ على عنصر المفاجأة وأخذها الوقت الكافي لهيكلة الدائرة وتنظيمها بعيدا عن أية مراقبة أو ضغط من الدولة أو وسائل الإعلام.
موقع الدائرة السياسية من تنظيم الجماعة
قبل الإشارة إلى ذلك من الضروري رصد نوعية العلاقة بين كل من الدائرة السياسية والجماعة، بالتساؤل عن موقع الدائرة السياسية داخل البنية التنظيمية والسياسية للجماعة.
وللإجابة عن هذا السؤال يمكن الاستشهاد بقول عبد الواحد المتوكل الأمين العام للدائرة السياسية: لابد من الإشارة هنا إلى أن تأسيس الدائرة السياسية لم يكن تغييرا لمسار الجماعة أو إعادة النظر في ثوابتها، أو معانقة أمر جديد على توجه الجماعة الفكري والدعوي، أو نريد أن نقحم أنفسنا في أمور لا تعنينا.
إن الهم السياسي جزء لا يتجزأ من العمل الإسلامي، ومواقف الجماعة، وما تنافح عنه من رؤى، وما تتبناه من أفكار أبعد أن تكون عن الفهم التجزيئي للإسلام (…) أي إرادة التصدي لواجهة هامة بما يلزم من إعداد واستعداد، واجهة كانت حاضرة في الاعتبار بكل تأكيد، لكن لم يكن بالإمكان الوفاء بما تقتضيه من شروط، لسبب بسيط أن عدد أعضاء الجماعة كان محدودا جدا، وأن تعدد المهام وكثافة المسئوليات كان يتعذر معها مباشرة هذا الأمر على الوجه المطلوب (…).
إن المشروع المقترح يرمي إلى رأب الصدع لا إلى تكريس الفصام النكد الموروث بين ما هو دعوي وما هو سياسي.
إن الهدف من إحداث الدائرة السياسية، من خلال تصريحات قيادي الجماعة، يتضمن العديد من العناصر، يمكن حصرها في الآتي:
- إحداث إطار عام للاهتمام بما هو عام وسياسي داخل الجماعة التي تتمثل السياسة ليس كفضاء مستقل وقائم بذاته، لذلك فإن فصل السياسي عن غيره داخل الجماعة من الأمور المحظورة والمتنافية مع توجهات الجماعة وخطها الأيديولوجي.
كما أن حصر ميدان الشأن العام على مستوى الدائرة السياسية لا يعكس في نظر الجماعة نوعا من التناقض بين الأقوال والأفعال بقدر ما يفسر في مجرد تقسيم وظيفي داخل الجماعة، الغرض منه تحقيق المزيد من الفعالية والمردودية؛ إذ أضحت الدائرة السياسية جهازا تحت إشراف قيادة الجماعة (مجلس الإرشاد) حفاظا على تماسكها وتلاحمها.
- قوة الهم السياسي وأهميته، فكان من الضروري إحداث جهاز متخصص بالقضايا العامة، عبر درسها وتحليلها ونقدها، وجعلها في متناول أولي الأمر من قيادات الجماعة ورموزها.
- إمكانية تطوير الدائرة السياسية فيما بعد إذا ما اختارت الدخول للعبة السياسية في حالة توصلها لاتفاق ما مع النظام، فتغدو الدائرة السياسية بمثابة الحزب السياسي الذي يمارس السياسية تحت إشراف الجماعة، وبالاعتماد على رؤاها ومرجعيتها، فهو جهاز يحاول تمثل مشروعها على أرض الواقع، في حين تبقى الجماعة فضاء للتنشئة والتربية والدعوة.
- الرفع من دينامية الحراك التنظيمي والسياسي داخل الجماعة، أمام التوسع العددي الذي شهدته الجماعة، وكبح مثل هذه الرغبات والطموحات المستقبلية لمناضليها، واحتواء بذور نزعات التدافع والمنافسة لدى أطر الجماعة، لاسيما الشباب منهم، أمام إغراءات النجاح الاجتماعي والسياسي الذي عرفه العديد من مناضلي حركة التوحيد والإصلاح إثر ولوجهم لمعترك العمل السياسي، وحصولهم على مقاعد في البرلمان ومجالس المقاطعات والجماعات.
- تشكل فضاء للتكوين السياسي وإنتاج النخب السياسية الإسلامية.
- إطار البحث والاجتهاد السياسي والفكري والإعلامي، وإنتاج دينامية داخلية تعزز الاندماج داخل الجماعة بالنسبة للمترددين والمتعاطفين، وتقيها الحصار الإعلامي والسياسي والتضييق الذي تتعرض له.
- الإسهام في النقاش الوطني والإسلامي من خلال الدائرة السياسية، وتكوين باحثين ومثقفين يدافعون عن مرجعية ورؤى الجماعة، عبر الجدل والنقاش والندوات، وتوسيع دائرة المتعاطفين، لاسيما في أوساط المثقفين الشباب.
آليات العمل السياسي للجماعة
نظرا لغياب معطيات إحصائية رسمية للجماعة فإننا سنقتصر على إبداء جملة من الملاحظات التي تعكس رهان الجماعة ورؤيتها للعمل السياسي مستقبلا، والتي تنصب حول:
- التركيز على المؤسسات التعليمية من جامعات وكليات ومعاهد في مختلف التخصصات، وذلك عبر تفعيل الإطار النقابي الممثل في الاتحاد الوطني لطلبة المغرب؛ إذ يشرعن الإسلاميون وجودهم داخله عبر إجراءات الانتخابات، وتنظيم مختلف الأنشطة الثقافية والنقابية، التي تقلصت نسبيا العديد من الجامعات والكليات بالمغرب، وخصوصا في كلية الحقوق بالدار البيضاء التي كانت تشكل أكبر معقل للفصيل الطلابي للجماعة، وقد نتج عن هذا التقلص بعد الحملات التي شنتها السلطة داخل الجامعات بعد سنة 1996 بهدف الحد من هيمنة الجماعة على الجامعات، وتقليص قدرتها على الاستقطاب والتجنيد.
وكان لتفجيرات 16 مايو الأليمة سنة 2003 دور في الحد من الهامش الواسع في التحرك الذي كانت تستفيد منه الجماعات الإسلامية، وجماعة العدل والإحسان بصفة خاصة.
- العمل بشكل مكثف داخل التظاهرات والمنتديات الثقافية من معارض للكتب والمحاضرات داخل الإعداديات والثانويات والمعارض التي تنظمها الكليات، فتغدو فضاء للتعبئة والاستمالة والاستقطاب، وتنقلب في أحيان أخرى إلى نزاعات أيديولوجية وسياسية بين الأساتذة والطلبة اليساريين والإسلاميين على مستوى نوعية الكتب المعروضة وطبيعة البرامج.
- تنظيم المظاهرات في الشوارع، عندما تشتد حدة النزاع بينهم وبين السلطة؛ ذلك أن الجماعة تراهن على الشارع لإبراز قدرتها التنظيمية والاستقطابية، ولكي تضغط على السلطة والأحزاب معا؛ لأن القوة الاجتماعية تستلزم إطارا سياسيا تتهيكل في إطاره، وإن تقلصت نسبيا هذه المظاهرات والوقفات الاحتجاجية بشكل ملموس خلال السنتين الأخيرتين.
- المشاركة في العمل النقابي سواء بالنسبة للعمال أو الموظفين أو المحامين أو المهندسين كمرحلة أولية لمعرفة آليات الفعل النقابي ومحددات الصعود، استعدادا لمرحلة أخرى تتغير فيها موازين القوى.
- المراهنة على العمل الجمعوي كمخرج لتجاوز الرقابة التي تمارسها السلطة، وتوفير قنوات جديدة للتواصل مع مناضلي الجماعة، واستقطاب متعاطفين جدد، وذلك عبر القيام بأنشطة ثقافية وعلمية وفنية وإعلامية.
- تنظيم لقاءات ومحاضرات على مستوى الدائرة السياسية في مواضيع متعددة وبحضور فعاليات ثقافية داخل وخارج الجماعة.
- الاستمرار في العمل الدعوي والتربوي؛ وذلك بتنظيم جلسات الذكر ومجالس النصيحة والرباطات بمختلف هياكل الجماعة من أسر وشعب وجهات بشكل دائم ومستمر يعكس أهمية العامل التربوي الإحساني.
العدل والإحسان والعلاقة مع الحكم
الملك محمد السادسملك المغرب
ثمة مجموعة من الإشكاليات التي تشكل في نظر جماعة العدل والإحسان الخط الفاصل بينها وبين الحكم، وهي إفراغ مؤسسات الدولة من الإسلام وتطبيق القانون الوضعي.ولتدبير هذه العلاقة، تراهن جماعة العدل والإحسان على الصعيد الداخلي التنظيمي على عاملين:
العامل الأول: ويرتكز على نجاعة البناء التربوي الإحساني ذي المسحة الصوفية على الصعيد العقدي لمناضليها وأتباعها، ثم إحداث الدائرة السياسية التي هدفت الرفع أولا من دينامية الحراك التنظيمي والسياسي داخل الجماعة أمام التوسع العددي الذي شهدته الجماعة على صعيد الأطر التنظيمية، وإحداث متنفس لـجند الجماعة للممارسة السياسية والاجتهاد واحتواء إغراءات الحقل السياسي.
العامل الثاني: ويتجلى في المراهنة على المجال الاجتماعي، عبر العمل الجمعوي والنقابي والثقافي والدعوي، مستفيدة من الأزمة التي تشهدها البلاد اقتصاديا واجتماعيا، وتوظيف ذلك في عملية الاستقطاب والتجذر.
وبالمقابل، فإن السلطة السياسية تراهن على ثلاثة عوامل:
الأول: وهو عامل الزمن الذي يضعف تلاحم الجماعة وتماسكها والضغط والتضييق عليها لتقديمها المزيد من التنازلات في حالة وفاة مرشدها العام.
والعامل الثاني: هو توظيف منافسة الإسلاميين الإصلاحيين والنجاح الاجتماعي والسياسي، الذي حققوه بعد ولوجهم للعملية السياسية، وحصولهم على مقاعد في البرلمان ومجالس المقاطعات والجماعات للضغط على قيادات ومناضلي الجماعة.
والعامل الثالث هو استغلال خطاب الرؤى والمبشرات، التي روجتها الجماعة في إصداراتها ومواقعها الإلكترونية؛ مما ولد تحفظ العديد من التيارات ذات الاتجاه السلفي عليها، بما في ذلك حركة التوحيد والإصلاح وبعض المثقفين، وكذا الصحافة المكتوبة التي وصفت الجماعة بازدواجية الخطاب، فخطابها عقلاني يدعو إلى دولة الحق والقانون والحريات في وقت اشتداد الحملات القمعية ضد الجماعة، وخطاب لا عقلاني ومناف للخطاب الأول (الرؤى والمبشرات).
آليات تعامل الحكم مع الجماعة
أما بالنسبة للسلطة فإنها تراهن لتليين مواقف الجماعة وتقديم المزيد من التنازلات على عدة عوامل نذكرها بنوع من الإيجاز:
عامل الزمن: الكفيل بتشتيت الجماعة إثر بروز إشكالية تغيير القيادة الذي يمثل تحديا كبيرا لما قد يترتب عنه من خلافات واختلافات في قراءة وتأويل تنظيرات المرشد وتصوراته، وما قد يولده ذلك من انشقاقات محتملة إزاء الخلافات في الرأي أو تفاقم حدة الصراعات الشخصية، وهي خاصية تسم الأحزاب السياسية التي تعرف تناسلا كبيرا في عددها؛ مما قد يؤدي إلى إضعاف الجماعة والضغط عليها لتقديم عدة تنازلات في حالة نشوبها.
عامل التضييق على الجماعة وأطرها ومناضليها ومحاصرتهم وعزلهم سياسيا وإعلاميا، ومنع منابرهم وجرائدهم، وحرمانهم من الدعم المادي والسياسي، عبر التأثير والضغط على الجماعة، ومحاولة إضعاف مستوى مناعتها وقوة تلاحمها وتماسكها لحملها على تغيير مواقفها، والاعتراف بمشروعية النظام الحاكم.
عامل الانفراج السياسي الذي بدأ منذ أواخر التسعينيات، ومحاولة توسيع هامش الحريات عبر تبني مقولة النظام في السير قدما لبناء المجتمع الديمقراطي الحداثي.
عامل احتدام المنافسة وتأجيجها بين مكونات الحقل الحركي الإسلامي، واستفادة رموز وقيادات الإسلاميين المشاركين في اللعبة السياسية وما يخوله لهم ذلك من مزايا وموارد وتسريع في وتيرة الحراك الاجتماعي والسياسي.
طالع:
- العدل والإحسان والمشاركة السياسية
- العدل والتحولات الجديدة بالمغرب
- السياسة في أدبيات العدل والإحسان
-المشروع السياسي لجماعة العدل
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : جميعا من أجل الخلاص | السمات: جميعا من أجل الخلاص
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج



























