الإسلاميون والسلطة في المغرب.. جماعة "العدل والإحسان" نموذجاً (3-5)
كتبهاالخلاص الجماعي ، في 25 نوفمبر 2008 الساعة: 23:43 م
العملية السياسية في أدبيات جماعة العدل والإحسان
إن الموقف من العملية السياسية يعكس موقفا من المشاركة السياسية ورؤية خاصة لمفهوم السياسة لدى جماعة العدل والإحسان، ويبين قناعاتها إزاء العديد من القضايا المركزية ضمن المشروع الأيديولوجي والسياسي للجماعة ومعالم رؤيتها السياسية للوضعية الراهنة التي يجتازها المغرب.
لذلك فإن أي حديث عن العملية السياسية والمشاركة في أدبيات الجماعة رغم قلتها، هو حديث عن قضايا تتجاوز المشاركة السياسية وتحتويها وتتماهى معها في الآن نفسه، وأهمها إشكالية الشورى والديمقراطية، والموقف من النظام الحاكم ومن التعددية الفكرية والسياسية، وهذا ما يفسر لنا ندرة التنظيرات حول مفهومي السياسة والمشاركة ومن إشكالية الاختلاف مع الآخر تنظيرا وتأصيلا، داخل الجماعة وخارجها، بل يمكن أن نعمم هذا الحكم على معظم الحركات الإسلامية في العالم العربي الإسلامي، ما عدا بعض الاستثناءات القليلة.
الشورى والديمقراطية لدى ياسين
تندرج رؤية الجماعة للسياسة والمشاركة ضمن منظورها العام للشورى في علاقتها بالديمقراطية، فلا يمكن التطرق للمشاركة السياسية لهذه العلاقة؛ إذ هي بمثابة الفرع وإهمال الأصل والمصدر الذي هو الشورى ومضامينها التي يمكن أن تنهل منها الديمقراطية وآلياتها وتسهم في تطويرها.
لذلك فالإشكال لا يتحدد في موقف الجماعة من العملية السياسية أو المشاركة السياسية، بقدر ما يطرح إشكالا أكبر هو: ما هي علاقة الديمقراطية بالشورى في فكر عبد السلام ياسين.
ينطلق عبد السلام ياسين في البداية بالإقرار بأهمية الديمقراطية، وضرورة الاستفادة منها باعتبارها نظاما ومسطرة يكفلان تدبير الصراعات الاجتماعية.
وبحكم القيمة المرجعية التي أضحت تكتسيه الديمقراطية داخل معظم المجتمعات كمنظومة لتدبير الاختلاف بالطرق السلمية، يتساءل ياسين: هل يمكن العمل بالديمقراطية جملة وتفصيلا؟ وما مدى قابلية نظام الحكم الإسلامي للعمل بالآليات الديمقراطية؟
لقد تجسدت إجابة المرشد العام عن هذه الإشكالية في تمييزه الأولي بين الديمقراطية كمبدأ وبين السياق التاريخي الذي نشأت فيه، وفي تمييزه من جهة ثانية بين المبادئ التي أتت بها الديمقراطية من احترام للحقوق كحرية الرأي والتعبير والتجمع، وضمان حق الاختلاف وإدانة التعسفات، وبين السياق المرجعي والتاريخي المرتبط باللائكية واللادينية، والفلسفة العامة المؤطرة لهذين العنصرين.
منذ البداية يقيم ياسين تمييزا يرتكز على المعيار المرجعي الناظم لمكونات كل من الشورى والديمقراطية، فكل واحدة منهما تنتمي إلى مرجعية مختلفة جذريا عن الأخرى.
فالأولى برزت في أثينا اللائكية، ثم تطورت وأخذت صيغة ممارسات إلحادية ولا أخلاقية في المجتمعات المتقدمة، في حين أن الشورى نشأت في المدينة المنورة، وبقيت مجمدة زهاء 14 قرنا وهي ضرورة للمسلمين.
لذلك فإن الديمقراطية لا يمكن استيرادها بمعزل عن السياق التاريخي الذي شهد نشأتها وتطورها، وهذا لا يعني أن ياسين يرفض جذريا الديمقراطية شكلا وجوهرا، وإنما يعتمد تصنيفا انتقائيا مكنه من الأخذ بالمناهج المسطرية والآليات المؤسساتية التي تراكمت عبر التطور التاريخي والسياسي والفكري للديمقراطية في السياق الحضاري الغربي؛ لأن هذه الآليات والتقنيات لا تتعارض مع الشريعة ومقاصدها، ويمكن إعادة بنائها وفقا لمنظور شوري يجعل منها معبرا عن جوهر الشورى الإسلامية، وفي الوقت نفسه يرفض المرشد الفلسفة اللائكية واللادينية المؤطرة للديمقراطية الغربية المدعمة لقيم الفساد والمجون والإباحية.
وبعد توضيح البعد التاريخي والإجرائي في مسألة الديمقراطية، يتطرق ياسين للآليات الإجرائية التي يمكن اقتباسها من الديمقراطية، دون أن تتعارض مع جوهر الشريعة الإسلامية، أو تناقض أساسها الديني والأخلاقي، ويذكر منها على سبيل الحصر:
-العمل بصناديق الاقتراع؛ لأنها تمثل جزءا من عملية شفافة أمينة يسهر عليها حكم نزيه.
-ضرورة وجود الدستور الذي يعبر عن الشريعة ويفسرها.
-عدم تعارض مبدأ فصل السلطة، الذي يعتبر دعامة أساسية للديمقراطية ومن أهم أسسها، أوتنافيه مع أي من التعاليم الإسلامية.
-من أجل القضاء على الرشوة والزبونية والمحسوبية والصفقات السرية، يجب على السلطةالضامنة خلال الفترة الانتقالية، وعلى السلطة الناتجة عن الشورى أن تستند إلى جهاز قضائي نزيه، وبما أن القاضي يتخذ قراراته بكل وعي دون محاسبة أية سلطة، فإن الحكومة الإسلامية مطالبة بالاحتياط الشديد حين انتقاء قضاتها.
-حرية التعبير إحدى أهم المؤسسات الديمقراطية، فلا غنى عن صحافة حرة متعددة، يديرهائ محترفون نزهاء يسعون إلى فضح الشر وإدانته.. صحافة ذات اتجاه إسلامي متحررة من رقابة تردعها وتعزلها في ظل الأنظمة اللائكية.. صحافة تقوم إلى جانب وظيفتها السياسية والإعلامية، بمهمة تربوية وأخلاقية وروحية.
-تدبير المسطرة الديمقراطية والحكم بواسطة التوازن في السلطة، فلكل سلطة سلطة مضادة تراقبها وتحاسبها، وهي الحكومة الإسلامية التي يجب أن تمأسس آليات المراقبة كما هو الشأن في الديمقراطية المسطرية، لكن قبل تكليف شرطة الآداب، أو المحكمة بردع الغش من الضروري تركيز المجتمع الإسلامي على تربية أفراده.
ويوضح ياسين أن أجواء الديمقراطية توجد مجتمعا مدنيا لا يهمه سوى الدفاع عن مصالحه ومطالبه السياسية والاجتماعية الفعلية، في حين أن الشورى توفق بين الدفاع عن المطالب المادية لجماعة المسلمين والجوانب الإيمانية والأخروية.
إذن إذا كانت الديمقراطية تدعو للرجوع إلى الشعب والاحتكام إليه، فهذا ما تطمح إليه الشورى، أما إذا كانت تهدف إلى الإباحية وإنتاج ثقافة انحلالية، تراهن على الجانب المادي الذي يحط من قيمة الإنسان عبر دغدغة غرائزه البهيمية، فهذا شيء مرفوض ومخالف لجوهر الشورى الأخلاقي والروحي.
فموقف عبد السلام ياسين يناقض الموقف الرافض للديمقراطية جملة وتفصيلا.. فلسفة وآليات، ويتبنى موقفا مؤمنا بالديمقراطية كآليات مسطرية وإجرائية تطابق جوهر الشورى، وأن الاختلاف هو في التسمية.
وفي الوقت نفسه يرفض ياسين السياق الثقافي الذي نشأت في أحضانه الديمقراطية وهو اللائكية والإباحية والاعتماد معياريا إلى القانون الوضعي بدل الشريعة الإسلامية، بل إن أهم ما يميز الديمقراطية أنها تخول إمكانية إعطائها التفسير الإسلامي الذي يناسب منهاج النبوة في الدعوة.
شروط المشاركة السياسية
تؤكد جماعة العدل والإحسان إيمانها بمبدأ المشاركة السياسية؛ لأنه يدخل في إطار إستراتيجية الجماعة للوصول إلى السلطة، ومن ثمة فإنه يساعد على تحقيق مشروعها السياسي وبلورته على أرض الواقع، إلا أن الإشكال بالنسبة لجماعة العدل والإحسان لا يتحدد في الموقف من المشاركة الذي ليس موضوع رهانها، وإنما في شروط هذه المشاركة وحدود الصلاحيات التي تخولها.
يقول ياسين: ليست طموحاتنا محدودة بموعد انتخابي أو تناوب على السلطة؛ لأننا نعلم أن تغيير حكومة ودستور معين لا يكفل إلا حل أزمة عرضية إن كفل وهيهات؟ ولا يستطيع إلا تهوية الجو السياسي ريثما يدفع تآكل النظام فرقة أو حزبا معينا في مستراح المعارضة الحزبية ليلمع صورته.
إن تغيير وجهة المجتمع الذي ننشده لا يمكن أن يقتصر على سياسة موسمية هدفها التناوب على السلطة أو إصلاحات قصيرة المدى ينفذها تناوب ديمقراطي أو توافقي مزيف يقوم على نفس نظام الفكر والقيم الذي أوصلنا هذا الدرك.
من هنا تطرح الجماعة مجموعة من الإشكاليات التي تشكل الخط الفاصل بينها وبين الحكم، وهي إفراغ مؤسسات الدولة من الإسلام، وتطبيق القانون الوضعي (عدم تفعيل إمارة المؤمنين وإقامة الدولة الإسلامية).. احتكار الحكم والسلطة (إشكالية السلطة السياسية).. إعادة توزيع الأموال إلى الأمة.
إن المشكل السياسي عند الجماعة لا يتحدد في المشاركة السياسية لأنها مجرد آلية تقبلها الجماعة كمبدأ أساسي مسلم به، ما دامت لا تتناقض مع الأسس المرجعية التي حددها ياسين في تمييزه بين الديمقراطية والشورى.
وبالتالي، فإن الآليات التي تطورت مع تطور الديمقراطية، ومن ضمنها المشاركة السياسية يمكن إعطاؤها مضمونا ثقافيا شوريا أو ديمقراطيا، وبأن المشاركة السياسية هي مجرد آلية تقنية وتنظيمية معينة تعكس تصورا أيديولوجيا وسياسيا واجتماعيا محددا، فإنها لم تحتل نصيبا وافرا ضمن إنتاجات مرشد الجماعة وتنظيراته؛ لأنها مرتبطة بالديمقراطية والشورى.
ومن جهة ثانية، فإن موقف الجماعة الرافض للمشاركة في العملية السياسية، يبرر نسبيا النقص الحاصل في الكتابة حول الموضوع، كما أن هذا المجال قد أضحى يندرج ضمن مجال اهتمام الدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان التي تهتم بالقضايا العامة (الانتخابات.. الأحزاب السياسية.. المشاركة…) وسياسات الجماعة إزاء العديد من القضايا والإشكالات، ومن بينها التدعيم الأيديولوجي لوجهات نظر مرشد الجماعة الرافض للدخول في العملية السياسية والاجتهاد داخل حدود الأطر الفكرية والأيديولوجية التي رسم معالمها.
مبدأ المقاطعة عند الجماعة
إن الخط السياسي العام للجماعة ينهج مبدأ المقاطعة للعملية السياسية برمتها وخيار الرفض للمشاركة السياسية، يقول فتح الله أرسلان في هذا الصدد: إن مبدأ المشاركة السياسية هو مبدأ قائم وثابت بالنسبة لجماعة العدل والإحسان، لكن السؤال المطروح هل الشروط الموجودة تسمح بمشاركة سياسية فاعلة داخل الساحة السياسية المغربية؟ فالشروط غير متوفرة سواء منها ما تعلق بالجانب القانوني؛ ذلك أن الدستور المغربي لا يسمح بمشاركة سياسية حقيقية، فالسلطات كلها ممركزة بيد الملك، وليس هناك فصل للسلطات بمفهومه الحقيقي، وما يمكن أن يترتب عن الدستور من انتخابات وبرلمان وحكومة تبقى كلها غير ذات جدوى، فما الجدوى من برلمان ليست له صلاحيات، وليس له مجال لاتخاذ الفعل والقدرة على اتخاذ وصياغة قوانين حقيقية، كما أن التشكيلة البرلمانية تكون مصاغة وفقا لأمزجة المخزن الذي تنفذه وزارة الداخلية.
تحصر جماعة العدل والإحسان المشكل في مسألة إعادة توزيع السلطات، وتحديد الصلاحيات من جديد، والتقيد بمبادئ الإسلام؛ ذلك أن البرلمان كمؤسسة يفتقد إلى شروط الفعل؛ لأن هيكلته والاختصاصات المخولة له لا تسمح له إلا بهامش ضيق لا يمكّنه من تطبيق وتفعيل ما يسطره من قوانين.
والنتيجة هو إنتاج جهاز تابع ومفتقد لشروط الاستقلالية والفعالية، الشيء الذي ينطبق على الحكومة أيضا، ويضيف الناطق الرسمي للجماعة: إن الحكومة لا حكم لها في المغرب أمام الصلاحيات الممركزة بيد الملك بحكم الدستور؛ فالملك هو الذي يمتلك الحكم الفعلي، فهو يضع البرامج ويوجه المرحلة المقبلة انطلاقا من خطاب العرش، لذلك فعمليا الحكومة لا تحكم ونرى ذلك في الواقع أكثر، فالهامش المتوفر للحكومة يسحب منها تدريجيا في جميع القضايا الأساسية والحساسة، عن طريق اللجان الملكية في كافة القطاعات كالتعليم، وحقوق الإنسان، والصحراء، والمرأة… إلخ.
أما عن الانتخابات فترى الجماعة أنها مشوبة بعدة خروقات، وبذلك قررت الجماعة عدم مشاركتها في جل الاستحقاقات الانتخابية؛ لأنها لا تختلف عن سابقاتها، وتعتبرها مزورة، كما أن المؤسسات المنبثقة عنها لا مصداقية لها.
ويوضح فتح الله أرسلان: إن تشكيلة البرلمان والأغلبية فيه مكونة من طيف سياسي، وليس من توجه سياسي مرتكز على تصور معين، ولذا نجد في البرلمان المغربي أن الحكومة مكونة من يسار ويمين واشتراكية وماركسية لينينية وليبرالية، فهي فسيفساء تصورية وفكرية لا يمكن أن تجمع بينها حكومة قوية.
موقف الجماعة من الأحزاب السياسية
ترى جماعة العدل والإحسان أن الأحزاب المعارضة منها أو المصطنعة آلة تم ترويضها من طرف النظام المغربي للمصادقة والتعبير عن مواقفها التوافقية، يقول ياسين في وصفه للنخبة السياسية: إن الطبقة السياسية العجوز تدير معركة خلفية غايتها إفشال كل تغيير، لكن الشعب المخلص لدينه رغم جهله الطامي يبرأ منها.. هذه الطائفة السياسية العجوز لا تدرك أنها تقطع الطريق على الأجيال الجديدة التي تفوقها تكوينا وأهلية، لخدمة مصالح الشعب المسلم.. هؤلاء السادة المسترخون على أرائكهم المستسلمون لصفعات السنين، الممتلئون زهوا، هؤلاء المسئولون عن النزيف الذي يمتص دماءنا لابد أن ينصرفوا لكي يتغير المجتمع، بل إن تاريخ هذه الأحزاب كاف لفضحها في عين الشعب لذلك مصيرها هو الموت الطبيعي التلقائي بعد القومة.
وإذا كانت هذه المقولات تمثل التشخيص السياسي والأيديولوجي لجماعة العدل والإحسان خلال فترة الثمانينيات وأواسط التسعينيات، فإن ما يشهده المغرب أخيرا من تطورات سياسية واقتصادية واجتماعية يفرض تغيير المنظور إلى العملية السياسية.
طالع:
- العدل والإحسان والمشاركة السياسية
-المشروع السياسي للعدل والإحسان
- العدل والتحولات الجديدة بالمغرب
العدلبين الدعوي والسياسي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : جميعا من أجل الخلاص | السمات: جميعا من أجل الخلاص
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج



























