الإسلاميون والسلطة في المغرب.. جماعة "العدل والإحسان" نموذجاً (1-5)
كتبهاالخلاص الجماعي ، في 25 نوفمبر 2008 الساعة: 23:26 م
العدل والإحسان والمشاركة السياسية.. كر وفر وانتظارية!
تنوعت الأدبيات السوسيولوجية والسياسية والقانونية في رصد المشاركة السياسية في بعديها القانوني الشكلاني والمؤسساتي الرسمي؛ مما ساهم في صعوبة إرساء قاعدة نظرية ومعرفية، تسهم في إبراز ملامح المشاركة وتحديد مضامينها، خاصة في ظل تزايد الاهتمام بالديمقراطية، نتيجة لاحتدام المطالبة بها بروز الحركات المطالبة بالحرية والمساواة؛ إذ تحولت الديمقراطية من نظام مختلف حول أسسه العقائدية والفلسفية، إلى نظام ومبدأ حصل بشأنهما الإجماع.
إلا أن الانسياق في هذا المسار من شأنه إثارة العديد من الأسئلة والاستفهامات حول ماهية المشاركة السياسية ومضامينها، ومن بين أبرز الأسئلة المطروحة: هل المشاركة السياسية المؤسساتية هي المحدد الشرعي والوحيد للفعل السياسي؟ ألا توجد أشكال أخرى للمشاركة السياسية من خارج الحقل السياسي لها مناضلوها وإستراتيجياتها وآلياتها في العمل والتعبئة؟
من الأكيد أن السير وفقا للمقاربة المؤسساتية من شأنه، إعطاء تبرير علمي-سياسي قد يكون عفويا يفتقد إلى النية العمدية، وهو احتمال يبقى أمرا مستبعدا من الناحية المنطقية والعملية رغم إمكانية وجوده على الصعيد النظري، وقد يكون مقصودا من شأنه تقزيم الأشكال الاحتجاجية للمشاركة والتنقيص من أهميتها وجدواها، وقصر المشاركة وربطها جدليا مع المؤسسة الرسمية كمنفذ وحيد لممارسة العمل السياسي، حسب هوى ونزعات بعض الأنظمة السياسية.
فالمشاركة من داخل المؤسسات تعكس لنا تحالفا مصلحيا بين بعض المثقفين أو المؤسسات والمراكز البحثية مع بعض الحكام قصد تبرير سياساتهم وقراراتهم بالاعتماد على معطيات ومناهج ونتائج العلوم السياسية والاجتماعية، وهو مجال خصب لا يزال مغيبا، وإن تمت معالجته بصيغ ورؤى في العديد من الإنتاجات الفكرية والسوسيولوجية والسياسية عبر نماذج نظرية من قبيل المثقف والسلطة أو المعارضة السياسية وأنظمة الحكم، ولا يزال بحاجة إلى المزيد من الرصد والدراسة والتحليل.
أشكال المشاركة السياسية
إن البنية المنهجية والمعرفية لإشكالية المشاركة السياسية من الناحية المفاهيمية والنظرية، وبشكل موجز يعرف مفهوم المشاركة السياسية تراكما على مستوى التعريفات يصل إلى حد الحيرة في اختيار أنجع وأدق التعاريف، ويمكن أن نقدم من الناحية الإجرائية التعريف التالي: فالمشاركة السياسية هي مجموع الأنشطة الإرادية التي يقوم بها أفراد المجتمع عبر اختيار قادتهم ومسيريهم بطريقة مباشرة أو غير مباشر بتحديد السياسة العامة، وتأخذ هذه المشاركة شكلان:
1- الأشكال الاتفاقية للمشاركة السياسية les formes conventionnelles de la participation politique وتنحصر في شكلها الاتفاقي على المشاركة المؤسساتية داخل الحقل السياسي الرسمي، والمؤمنة بتواثب قواعد اللعبة السياسية وهي تتم عموما بآليات متعددة يبقى أهمها التصويت في الاستحقاقات الانتخابية، بما هو عرض التمثلات السياسية.. التعبير العلني عن الآراء السياسية من أجل إقناع الأفراد الآخرين.. حضور اللقاءات والاجتماعات السياسية.. المشاركة في الحملات الانتخابية.
ثم عبر المشاركة في الاستفتاءات، وإذا كانت جل المقاربات في تحديدها لوظائف الانتخابات تركز بدرجة أساسية على الجانب السياسي العام المرتبط بالزعامات السياسية عبر الاستفسار حول علاقة النتائج بمواقع النخبة السياسية وصلتها بالحكام، وإبراز نوعية الإستراتيجيات المحتملة المرتبط بالقمة.
2- الأشكال الاحتجاجية للمشاركة السياسية Les formes protestataires de la participation politiques
إذا كانت المشاركة السياسية في بعدها المؤسساتي الرسمي تساهم في تدعيم الاستقرار وتثبيت النظام، كما تخول لكل فرد فرصة التعبير عن اهتماماته الخاصة، وإعطاء المزيد من القوة والصلابة لمبادئ التوافق والمحاسبة، وحق المعارضة في الوصول إلى السلطة، فإنها في جانبها غير المؤسساتي، أي الاحتجاجي عبر المظاهرات، وباقي الأفعال الجماعية هي أفعال احتجاجية منبثقة من عمق مجتمعي وشعبي ومعبرة عن تطلعات لوجود سياسي، متحرر بشكل أو بآخر من مراقبة السلطة، وهي تهدد باستمرار سواء كانت عفوية أو منظمة استقرار النظام وتقويض باقي مؤسساته وأجهزته.
فهناك علاقة جدلية ملموسة بين اللعبة السياسية والتجمعات في الشارع، فقدرة تنظيم ما حزبا كان أم حركة اجتماعية على تعبئة مناضليه، بكيفية مباشرة أو عبر تنظيمات وسيطة هي مورد سياسي مهم، يعبر عن قوة التنظيم وحقيقة تمثيليته الاجتماعية، وحجم تفاعل الجماهير مع أيديولوجيته وإيمانها بخطاباته وبرامجه، ومن ثمة شرعية مطالبه، بهذه الكيفية تضغط هذه القوى الاحتجاجية على النظام لحثه على تقديم المزيد من التنازلات.
العدل والإحسان وخيار الاحتجاج السياسي
وإذا كان التيار الإسلامي يمثل نموذجا لفاعل سياسي إلى جانب فاعلين آخرين بمختلف مشاربهم ومرجعياتهم، فإن العلاقة التي تربطهم بالسلطة، خاصيتها تباين مواقف الإسلاميين من الحكم، وبالمقابل تباين موقف الحكم من الإسلاميين؛ نظرا للاختلاف في المرجعيات الأيديولوجية والمواقف السياسية، ثم نوعية المصالح المدافع عنها.
ثمة جملة من الأسئلة المؤرقة تطرح نفسها من الناحية المبدئية، كأرضية أولية لمعالجة إشكالية، لا زال يميزها الغموض والتعتيم، وتشكل مناسبة لتضافر جهود الباحثين في العلوم السياسية والاجتماعية وهي كالآتي: ما هي نوعية العلاقة التي تربط ما بين الحكم والإسلاميين؟ أو المفترض أن تحكم العلاقة بينهما؟ إلام يعزى التباين والاختلاف بين السلطة والإسلاميين عموما وجماعة العدل والإحسان خصوصا؟ ما هي طبيعة الدور السياسي الاجتماعي الذي تقوم به الجماعة؟ وما موقع السياسي داخل أطروحات وتصورات الجماعة؟
إن أي حديث عن العملية السياسية والمشاركة في أدبيات الجماعة رغم قلتها هو حديث عن قضايا تتجاوز المشاركة السياسية وتحتويها.ومن خلال قراءة في أدبيات الجماعة، يمكن القول إن الجماعة اختارت الشكل الاحتجاجي للمشاركة السياسية التي تتم من خارج الحقل السياسي الرسمي وعبر بوابة المجتمع.
فاعتماد الجانب الميداني في علاقته بالنظري، هو معطى موضوعي وله حضور أساسي في الدراسات السياسية والاجتماعية؛ نظرا للعلاقة الجدلية بين المقاربتين، في محاولة لملامسة أكبر قدر من العلمية والموضوعي وتقليص إمكانية السقوط في الأحكام القيمية والمواقف المسبقة، التي تعكس نوايا وتمثلات وإشكاليات حامليها، وتضفي مسحة ذاتية على العمل بدل التعامل مع الظاهرة بشكل موضوعي خارجي، كما تؤكد ذلك قواعد المنهج في العلوم الاجتماعية.
موقع الجماعة داخل المشهد السياسي
تتموقع جماعة العدل والإحسان خارج الحقل السياسي الرسمي؛ نظرا لموقفها الرافض لمجمل العملية السياسية، وللمشاركة في اللعبة السياسية بصفة خاصة؛ لذا فرهان الجماعة انصب على المجال الاجتماعي والثقافي والدعوي والتربوي، لاسيما أمام تفاقم الأزمة الاجتماعية والاقتصادية التي تشهدها البلاد، والناجمة عن التأثيرات السلبية لسياسات التقويم الهيكلي، وما خلفته من نتائج اجتماعية تضررت منها الشرائح الفقيرة من فقر وبطالة وتضخم وانحراف.
وقد ساعد الحركات السياسية المعارضة، ومن بينها جماعة العدل والإحسان على استثمار ذلك لاستقطاب المزيد من الوافدين الجدد، الذين سيدعمون الجماعة في عملها، ويسهمون في انتشار شعبيتها وقدرتها على الحشد والتعبئة في أوقات الشدة، في ظل تقلص البدائل الفعلية للإدماج.
ويتميز خطاب الجماعة بانسجامه مع مرجعيتها وخطها السياسي الرافض للعملية السياسية أمام تصاعد وتيرة المشاكل الاجتماعية، وتزايد نسبة الإحباط في ظل عدم وضوح المستقبل.
ولهذا يلاحظ أن خطاب الجماعة أخذ نبرة احتجاجية معارضة لسياسات النظام، ومنتقدة لاختياراته، ومتتبعة لأخطائه وعثراته، وقد سهل عمل الجماعة في هذا المسار ولوج المعارضة اليسارية التاريخية وحزب الاستقلال للحكومة وتحمله المسئولية في حالة إخفاقها، وقيام الإسلاميين الإصلاحيين بلعب دور المعارضة المؤسساتية داخل البرلمان، والتي تأخذ بعين الاعتبار موازين القوى وطبيعة التحالفات.
غير أن الجماعة ستستغل وجودها خارج النسق المؤسسي لنقد الحكومة والمعارضة عبر تشكيكها في الجدوى من العملية السياسية برمتها، والفائدة من عمل الحكومة التي تراها مفتقدة لأية صلاحية أو سلطة تمكنها من تحقيق ما وعدت به.
إن المعارضة الاحتجاجية التي تقوم بها الجماعة من خارج النظام، وعدم التقيد بأية التزامات من شأنها أن تقلص من حدة انتقاداتها أو تخفف من نبرتها الاحتجاجية، ومن ثمة فهي تمارس العمل السياسي غير الرسمي من داخل المجتمع، وبالتالي فأي انحصار أو تأزم في هذا المسلسل سيؤدي إلى الدعم السياسي لطروحات الجماعة وتصوراتها.وبالمقابل، فإن أي نجاح مرتقب في المسار السياسي يمكن أن يؤثر سلبا على الجماعة ويساهم في انكماشها وتقلصها.
طالع:
- المشروع السياسي للعدل والإحسان
- السياسة في أدبيات العدل والإحسان
- العدل والتحولات الجديدة بالمغرب
- العدلبين الدعوي والسياسي
- رشيد مقتدر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : جميعا من أجل الخلاص | السمات: جميعا من أجل الخلاص
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج



























