نواب من نوع آخر يعرضون مطالبهم يوميا أمام البرلمان
كتبهاالخلاص الجماعي ، في 23 سبتمبر 2008 الساعة: 20:39 م
لم يصدق فريد الشاب ذو الثلاثة والثلاثين عامًا، والذي اعتاد على المشاركة مساء كل يوم في الوقفات الاحتجاجية للمعطلين المغاربة أمام ساحة البرلمان بالعاصمة الرباط، لم يصدق أن الكابوس انتهى أخيرا مع إعلان الوزير الأول إدريس جطو التوصل إلى تفاهم مع المعطلين يقضي بتوقفهم عن الاحتجاج مقابل الاتفاق على توظيفهم.
ولم يتوقف فريد كغيره من المعطلين المحتجين عند الانتقادات التي وجهت للاتفاق من كونه لا يشمل الجميع من جهة، وأنه جاء ورقة انتخابية تم استغلالها على مدار شهرين قبل الانتخابات التشريعية المغربية من جهة أخرى، فكل ما يهمه هو ورفاقه أن يتحقق الحلم، ويجد كل واحد منهم طريقه إلى منصب الشغل الذي طالما بحت أصواتهم لأجله.
وقد نجح إدريس جطو الوزير الأول المغربي في التوصل إلى اتفاق مع مجموعات المعطلين، والتي بلغ عددها عشرين منظمة، وتم توقيعه بمقر محافظة الرباط الشهر الماضي، يقضي بوضع إستراتيجية تشرف عليها لجنة وزارية مختصة، تسهل إدماج وإعادة تكوين المعطلين في أفق توظيفهم ضمن إطار الوظيفة العمومية.
وبموجب الاتفاق، تتكفل الدولة بكافة مصاريف إعادة التكوين الذي سيجري بكبريات المؤسسات والمعاهد المهنية لحوالي 2768 معطلاً عن العمل.
مشاعر إنسانية
وفي مفارقة غريبة، لم يمنع قرب تحقق الحلم العديد من المعطلين من الإحساس بشعور غريب اقتحم عليهم قلوبهم فجأة ودون سابق إنذار.. إنه الشعور بقرب الافتراق عن الأشخاص الذين جمعتهم بهم أيام النضال الطويلة، بأفراحها وأتراحها، بابتساماتها ودموعها.
يقول فريد لـإسلام أون لاين.نت: حقا إنه شعور غريب وقاس في الوقت نفسه.. طيلة أكثر من سبع سنوات وكل أملي أن أجد عملا أحقق به وجودي، وبمجرد ما بدأت ملامح الفرج تظهر، شعرت لأول مرة بالمرارة لأني سأفقد زملاء أعزاء عشت وإياهم محنة الكفاح.
وما يلبث المتحدث أن يشرح أن ظروف الاحتجاجات التي تشرف عليها منظمتهم كانت تتطلب منهم الحضور يوميا إلى ساحة البرلمان والشوارع المحيطة بها، للمشاركة في المسيرات. هذا الحضور اليومي الإجباري دفع فريد وبعضا من زملائه لكراء شقة بأحد الأحياء الشعبية بمدينة سلا المجاورة، حتى يبقوا قريبين من الساحة.
كلهم أتوا من مدن مختلفة، ومواجهة تكاليف العيش بالعاصمة تستوجب التعاون والاتحاد وكذلك التضحية. هنا يوضح فريد قائلا: لن أنسى بأي حال من الأحوال الزملاء الأعزاء الذي ضحوا لأجل الباقين بما لديهم من مال قليل. فرغم حاجتهم الخاصة له كانوا يؤثرون شراء الدواء لهذا، ودفع نصيب أجرة البيت بدل ذاك، وهو ما خلق بيننا جوا أخويا عائليا قويا كان يعوضنا عن فراق الأهل وصعوبة الظروف التي نعيشها.
وعندما كانت تجبر هراوات رجال الأمن اليومية البعض منهم على الذهاب إلى المستشفى، يبقى الزملاء إلى جانب رفيقهم لحين شفائه، حيث يعتنون به ويحاولون توفير ما يتطلبه العلاج إلى حين الشفاء.
…وللمكان أيضا!
ولم تقتصر روابط الحنين على رفاق الدرب وحدهم، بل امتدت إلى أرباب المتاجر والمحلات المحاذية لساحة البرلمان، حيث تمكنت السنوات الطويلة من نسج علاقات صداقة وتضامن بين المعطلين المناضلين وبعض التجار الذين كانوا يرون بأعينهم ما يحدث لخريجي الجامعات كل يوم.
ويحكي عبد الرحمن، وهو أحد قياديي منظمة المكفوفين المعطلين المغاربة، أن التضامن تجاوز كل الحدود بحيث وصل إلى رجال الأمن أنفسهم؛ فكثيرا ما يلقون إلينا السلام وينصحوننا بتخفيف وتيرة الاحتجاج أو بضرورة الابتعاد تلك العشية.
بل وإن بعضهم يدخلون معنا بين الحين والآخر في نقاش حول جدوى ما نقوم به والهدف منه، ويطرحون رؤيتهم الخاصة لإيجاد حل لنا والتي تتلخص في ضرورة الاعتماد على الذات بدل تضييع الوقت في رفع الشعارات. وهي آراء تبقى دليلا على تعاطف كثير من هؤلاء معنا حتى وإن كنا لا نتفق معها.
ولم ينس فريد وعبد الرحمن أن يؤكدا لـإسلام أون لاين.نت أنهم كونوا علاقات وطيدة حتى مع الجماد. فمن قبة البرلمان التي اعتادوا رؤيتها كل يوم، إلى شارع محمد الخامس الذي يبقى شاهدا على المسيرات الحاشدة، مرورا بالمقاهي المجاورة، وأماكن الاعتصامات والوقفات الاحتجاجية، تشكلت ذاكرة المعطل المغربي وأسست جزءا من تاريخه الذي يستحيل عليه نسيانه.
ورفض المتحدثان معا المبالغة في التفاؤل بانتهاء الأزمة إلى غير رجعة، فحتى لو وضعت رجلا في مكان العمل المرتقب، والرجل الأخرى لم تدخل بعد، لم أكن لأثق أبدا بأن البطالة صارت من الماضي.. يوضح فريد.
فالأزمة كانت وما تزال شاملة، وأثرت وتؤثر على الصحة النفسية والجسدية للمعطلين بمختلف تنظيماتهم.
تكاليف الاحتجاج
يحكي عبد الوهاب، وهو من الأسماء البارزة داخل الجمعية المغربية لحملة الشهادات المعطلين، أن المعطل يفيق في الصباح الباكر وهو يفكر كيف سيقضي يومه، ومن أين سيحصل على دولار أو دولارين للجلوس بالمقهى أو شراء السجائر أو حتى اقتناء جريدة.
بعضهم يأخذ المبلغ من عند أخيه أو أخته الموظفة، وبعض آخر ما زال يأخذ المصروف من أبيه، أما فئة ثالثة فقد رأت أن البحث عن أشغال موازية أكرم لها من تسول العائلة أو الأصدقاء للحصول على الدولارين في هذه السن المتأخرة.
ويوضح عبد الوهاب في حديثه لإسلام أون لاين قائلا: كثير من المعطلين اختاروا الاشتغال في وظائف بسيطة جدا حتى بمبلغ دولار واحد لليوم، كبيع السجائر وحلوى الأطفال. فالأهم هو الحصول على مداخيل كيفما كانت.
أما عبد الرحمن فيشير إلى أن المكفوفين بما أن وضعيتهم أعقد لكونهم لا يستطيعون التحرك بحرية أو الاشتغال في أعمال موازية، فقد قرروا خلق صناديق الدعم المتحركة التي يحملها أعضاء من المجموعة ويتجولون بها في الشوارع المحاذية للبرلمان، أو المساجد للحصول على الدعم.
وبينما يرى الكثيرون أن هذا تسول مقنع، يبرز عبد الرحمن ورفاقه أن الضرورة لها أحكامها، وأن تلك الصناديق هي وسيلة لتفاعل المجتمع مع قضيتهم.
مشاكل جمة
وما يزيد الوضع تعقيدا في نظر عبد الوهاب هو أن قيم التكافل والتعاون لا تبرز بقوة في العاصمة مثلما هو الحال في المدن الكبرى، عكس القرى والمدن الصغيرة التي يحظى فيها المعطلون بدعم شعبي كبير.
إلى جانب ذلك فعدد كبير من خريجي الجامعات من المعطلين بلغوا من الكبر عتيا، ومعدل السن داخل جمعيتنا على سبيل المثال يتراوح ما بين 30 و45 عاما.. فمن أين لصاحب الـ45 عاما على سبيل المثال أن يحصل على وظيفة عبر المشاركة في المباريات العمومية التي أغلبها تحدد السن الأقصى بالـ30 عاما، ومن أين له أن يشتغل في أعمال موازية أو يوفر مصروفه ومصروف عائلته. ولا داعي أن أؤكد لكم أن حالات الزواج بين المعطلين كثيرة ومتعددة وأغلبهم لهم أطفال.
مثل هذا الوضع بدأ يبث اليأس من التعليم في صفوف الشباب، كما يشرح المصدر، إذ غدا الأخ الأكبر أو الجار أو الصديق المعطل قدوة سيئة للأطفال والشباب، الذين يرون بأم أعينهم مآل من يواصل الدراسة. والبديل بات واضحا للجميع: الهجرة السرية إلى الضفة الأوروبية هو الحال الأوحد!.
…وللنساء نصيب
وتتضاعف حدة المشكل بالنسبة لأعضاء المجموعة من النساء، اللواتي يشاركن الرجال مراحل النضال خطوة خطوة على قدم المساواة فكلهم في النضال شرق.
وتشرح خديجة صندادي، قيادية في الجمعية المغربية لحملة الشهادات المعطلين أن ظروف المرأة في ساحة النضال تختلف عن ظروف الرجل، حيث تؤثر عقلية المجتمع والمحيط سلبا على نضال المرأة للحصول على عمل.
أولى المشاكل تبدأ من البيت، حيث يرفض الأب أو الأخ الأكبر وفي بعض الأحيان الزوج، أن تخرج المرأة وتترك بيتها أو أبناءها لأجل المشاركة في مسيرة احتجاجية. ومن تنجح في الخروج تصادف مشاكل تدبير مصاريف الحافلة والسندويتش. فالوقفة قد تبقى اليوم كاملا، ولا بد من أكل وشرب، ولبعضنا دواء.
وتضيف خديجة أن التدخلات العنيفة لرجال الأمن تنال أكثر من المرأة، وقد تعرضت بعض المناضلات لإصابات بليغة تنوعت بين الكسر والجروح التي تترك ندوبا دائمة، هذا إلى جانب التحرشات الجنسية والكلمات النابية التي يقذفن بها من هذا وذاك.
وكرفقاء الدرب من الذكور، تتعرض المرأة المعطلة للإصابة بمختلف الأمراض الناتجة عن الإضرابات المتتالية عن الطعام والاعتصامات والمسيرات الحاشدة تحت أشعة الشمس الحارقة. وتبقى أمراض المعدة هي الأكثر شيوعا بين المعطلين عموما ـ توضح المتحدثة ـ إلى جانب فقر الدم وهشاشة العظام والروماتيزم.. هذا ناهيك عن المشاكل النفسية. وباختصار المعطل يخرج ـ إن قدر له ذلك ـ من تجربة البطالة وهو مصاب على الأقل بمرض ما، وفي حالة نفسية صعبة.
وحول قضايا الاعتماد على الذات، والمغامرة في مشاريع اقتصادية صغرى التي يدعو إليها بعض منتقدي طريقة اشتغال المعطلين، تؤكد خديجة وكل المعطلين على أن من يقترح مثل ذلك لا يرى الصورة كاملة، ويكتفي باتهام المعطلين بالاستسلام للاحتجاج كحل أوحد لإيجاد الشغل.
مثل هؤلاء لا يعلمون أن بعض المعطلين دخلوا فعلا في تجربة إنشاء مقاولات صغرى والاستفادة من تسهيلات للقروض كما سبق للحكومة أن اقترحته، لكن ما حدث بعد ذلك أن عددا منهم انتهى بهم الأمر في السجن إثر فشل المشروع وعدم استطاعتهم تسديد ديون البنوك.. الظروف الاقتصادية والقانونية الحالية لا تشجع أبدا على خوض تجربة من هذا النوع.. تشرح خديجة غاضبة.
الوعد الصادق!
ومع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية التي ستجرى في السابع من الشهر القادم، يأمل المعطلون المغاربة أن تجد قضيتهم طريقها إلى الحل نهائيا، على الرغم من أن التجارب أثبتت أن الانتخابات لا تأتيهم في الغالب بالشيء الجديد.
لكن المتحدثين كلهم أبرزوا أنه رغم ذلك فلا مفر من التشبث بالأمل، خاصة في ظل الوعود التي تقدم بها الوزير الأول الحالي إدريس جطو لتشغيلهم.
وقد بنت كل الأحزاب برامجها الانتخابية التي أعلنت عنها طيلة شهر يوليو الماضي على قضية التشغيل، وقدمت في هذا السياق اقتراحات، متعهدة بتوفير مئات آلاف مناصب الشغل، فهل سيصدق السياسيون وعودهم المعلنة؟… كل عيون المعطلين متطلعة إلى حكومة ما بعد السابع من سبتمبر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قضايا و حوادث | السمات: قضايا و حوادث
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج



























